لم يكن بلتاجي او (بلتا) بالنسبة لنا شخصا عاديا كان حالة استثنائية ..وربما كان ذلك سر تجمعنا حوله...
اما عن ذلك العكاز الذي يتوكأ عليه فلم يكن بالنسبة له مصدر ضعف ..بل كان طوال الوقت مصدر قوة..كنا عندما نُجري تقسيمة كرة كان يغزل به ويحرز اهدافا غير عابئ بالاصابات التى طالما طالت وجوهنا منه، ولذلك كان دوما محل اعتراض على الفريق الذي يضمه "ابن الكلب ابو راسين ده مايتحسبش بواحد .. دة بتلاته يا عم انت وهو" حتى عندما كنا نقسم الأرض بحبل الغسيل مقررين أن نحولها لملعب كره طائرة كان بلتا يتألق ويحرز به نقاطا كثيرة..حتى فى تلك الليالي التى نعبر فيها نحو الجانب الآخر ساهرين عند النهر كان بلتاجي يستخدمه كمجداف "عدوا الجمايل بقي عدوا.. خيري عليكو ارض وبحر"
- بقولك إيه ماعكش حاجه حلوة؟
مازلت اذكر تفاصيله جيدا...
- قولي يا بلتا لو لاقيت خاتم سليمان تطلب ايه من الجني؟
- هطلب منه الشيء الوحيد اللي ناقصني.
رددت مستغربا:
إيه؟
- ناقصني اني اقدر اطير.
- لكن انت فعلا طيرت قبل كده لما سافرت العمرة مع الحاج.
- لما تفرد جناحك في السما وتطير غير لما تركب حديدة بتطير.
لحظتها لا اعرف كيف قام بلتا بحركة واحدة وقفز نحو الموتسيكل وظل ينظر نحوي ويزأر
- اهو انا نفسي ابقي زي الواد ده يا رضا .. نفسي اطير زيه.
تغير بلتا بعدها,, بات يجلس في بيته اياما طويلة , لا نراه إلا دقائق معدودة يظل يحدثنا فيها عن الموتسيكلات وانواعها واسعارها ومسابقتها العالمية وابطالها .. وعندما ازوره في بيته اجد في لوحات رسمه صورا له وهو يطير بالموتسيكل كصبي المقهي , وصورا له وهو فارد جناحيه طائرا في السماء, وصورا اخرى لصقر محلق رأسه هو ..ولا اعرف لماذا ولد بداخلي لحظتها احساسا كئيبا حاولت طرده بغير ذي فائدة.
- الناس جهزت الحاجة ماتبقاش رخم بقى.
- يلا نروح نبارك للواد عصام ... النهاردة افتتاح محل العجل والموتسيكلات بتاعه.
- عجل ايه اللي عايزنا نسيب الناس علشانه دة؟
فرد في حسم:
هتيجي معايا ولا اروح لوحدي؟
في تلك اللحظة عاودني نفس الشعور الكئيب وفشلت ثانيا في محاولة طرده.
بعد أن بارك وجلس بعض الوقت قام يتفقد المحل , وقف أمام احد الموتسيكلات وظل يتفحصها كجوارهرجي حفيص يقلب قطعة ماس اصلية:
- بقولك ايه يا عصام انا هجرب الحتة دي.
رد مستغربا:
- ايه؟
بقولك هجربها اعتبرني زبون يا اخي.
- ايوة يا بلتاجي بس ماتأخذنيش يعني انت ..
قاطعه هادئا:
- قصدك يعني علشان العكاز اطمن يا سيدي ماهو رضا هيكون معايا وبعدين مش جايز اشتريه منك.
كمن القوا عليه فجأة شلال ماء مثلج رددت:
اطمن يا عصام على مسؤليتي.
وما أن ابتعدنا حتى وجدته يخبط على كتفي:
- بقولك إيه ماتنزل وتخليني انا اللي اسوق.
رددت بحسم حاجبا عنه شمس الامل:
- بقولك إيه بلتا انت صحيح صاحب عمري لكن دي امانة.
- مش هترد عليها؟
- يا ابني البت بتحبك اركن ورد عليها.
وما أن ادرت ظهري حتى وجدت صوتا يصعق اذني:
ماتزعلش منى يا صاحبي لكن ده حلم عمري.
التفت فوجدته منطلقا بالموتسيكل كصقر يسبح في السماء الرحبة , انطلقت ورأه مناديا ولكنه لم يلتفت ..
لحظتها توقفت الأرض عن الدوران, تضائلت على وسعها وانكمشت لتصبح مسرحا بلتا هو بطله الأوحد .. هو المؤلف والمخرج والممثل هو كل عناصره , وهو الجمهور ايضا....
اوقف الموتسيكل على عجلته الخلفية وانطلق به ثم اصبح يدور ويدور كراقص التنورة ذروة لحظات التوهج والتوحد والاندماج ..ثم انطلق نحو الجانب الآخر, حاول التوقف لكن غواية النهر كانت اسرع من استوب المخرج .
طوال الليل والغواصون يبحثون عنه لم يجدوه إلا مع شروق شمس اليوم التالي ....
بعدها ظل اهالي الحي يعتبون علي لأني انا صديقه الاقرب لم احضر عزائه .. ولكن كيف احضر وبلتا كان سهرانا معي فوق سطح بيته طوال الليل, شابا وسيما منطلقا كأجمل ما يكون ... (ضربنا) كيلو المشكل الوصاية من عند عنتر الحاتي ثم (حبسنا) بالبيرة والحشيش .....



